عبد الوهاب الشعراني

263

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وقد جربت أنا زوجتي أم عبد الرحمن رضي اللّه عنها في أخلاقها ، فلا أتعوج في عمل ظاهر أو باطن إلا وتتعوج علي في أخلاقها قهرا عليها مع أنها ذات خلق حسن ، وربما أكون معها في أحسن ما يكون من حسن العشرة فيخطر في بالي فعل شيء من الشهوات فتتغير في المجلس قهرا عليها فأعرف سبب ذلك فأرجع عنه فترجع في الحال . وفي رسالة القشيري عن الفضيل بن عياض : أنه كان يقول : إني لأعصي اللّه تعالى فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي وزوجتي ، فإذا استغفرت وندمت زال ذلك الخلق السئ فأعرف قبول التوبة ، وكثيرا ما كنت أستغفر وأندم فيدوم الحمار على شموسه ، والعبد والزوجة على مخالفة ما آمرهم به فأعرف أن توبتي لم تقبل . ففتش يا أخي نفسك في الأخلاق السيئة قبل أن تشكو من زوجتك ، وكذلك المرأة ينبغي لها أن تفتش نفسها ثم تشكو من زوجها . ثم إن ما ذكرناه من هذه القاعدة هو الغالب في الناس ، وقد يكون بعض الأولياء مستقيما في الباطن ويبتلى بزوجته وبأصحابه وغيرهم اختبارا له وتحملا عن غيره من الناس ، فربما كان غيره يتزوج تلك الزوجة فلا يتحمل أذاها : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الطبراني وغيره مرفوعا : « أيّما رجل تزوّج امرأة على ما قلّ من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدّي إليها حقّها خدعها فمات ولم يؤدّ إليها حقّها لقي اللّه يوم القيامة وهو زان » الحديث . وروى الشيخان مرفوعا : « كلّكم راع ومسؤول عن رعيّته ، والخادم راع في مال سيّده ومسؤول عن رعيّته ، والرّجل راع في أهله ومسؤول عن رعيّته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيّتها » . وروى الترمذي وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم » . وفي رواية للترمذي والحاكم مرفوعا : « إنّ من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله » . وروى ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « خياركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي » . وروى ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « إنّ المرأة خلقت من ضلع فإن أقمتها كسرتها فدارها تعش بها » . قلت : والمداراة تكون بإسقاط جزء من الدنيا والمداهنة تكون بإسقاط شطر من الدين . فالمداراة مستحبة ، والمداهنة حرام في حرام ومكروه في مكروه ، واللّه أعلم .